‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصلح نفسك وادع غيرك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أصلح نفسك وادع غيرك. إظهار كافة الرسائل

24 ديسمبر 2009

الإمام البنا مثالاً للذاتية والإيجابية والتحفيز

بقلم: د. محمد فاروق
. نحن في أمسِّ الحاجةِ إلى نماذجَ فعَّالة تتفاعل مع الأحداث، وتكوِّن الرؤى وتحفِّز الآخر؛ فالعبرة ليست بالتفوق الكمي بقدر ما هي بالتفوق النوعي، فكان الإمام حسن البنا من هؤلاء الذين أضافوا وأبدعوا وتحركوا وفكروا وعاشوا لدينهم وأعطوا كل وقتهم بل وحياتهم فداءً له. فحريٌّ بنا أن نغوص في أعماق هؤلاءِ لدراسةِ مواطن التميز والتفوق؛ لنقتدي بهم، ونتعلم منهم، ونستقي من سيرتهم المنهج والقدوة. نشأ الإمامُ وبداخله فكرة مفادها أن يعمل شيئًا لدينه ووطنه، وتفاعل داخليًا مع هذه الفكرة، وسيطرت عليه ونمت وكبرت بداخله فأبى أن يترك المحتل يعبث بالوطن، وأبى أن يُضيِّع الدينَ وسط أطروحات هزلية وأيدلوجيات مهزومة باتت تُسيطر على الناس. فكانت سطوة المحتل، وانتشار الانحلال الخلقي، وضياع الدين وسط البدع والأفكار الدخيلة، وفقدان الهوية، واشتداد الخطوب على الدين والأمة، دافعًا ومحفزًا له لأن يفعل شيئًا لدينه. فبدأ الأمر يشغله، وبدأت الفكرة تتنامى، وذاك لسؤالٍ دائمًا يجول في خاطره: كيف أخدمُ ديني، وأعيدُ للإسلام مكانته في قلوب الناس وفي واقع الحياة؟ ومن أين أبدأ؟ إنَّ الرجلَ بداخله مارد قوي يحفزه، وإرادة صلبة ملحة، وفكرة واضحة جلية، وكان يعلم جيدًا أنَّ الأفكار رغم رصانتها وقوتها لا تفعل شيئًا إلا إذا صدقها العمل، وأنه لا بدَّ من بدايةٍ، فأول الغيث قطرة، وأي فكرة تولد بسيطة على أن تساندها عزيمة قوية وبداية جادة، كان يرى أنَّ عليه دورًا عظيمًا منذ صغره، فكان في نفسه أنه ذاك الفتى الذي قال عنه طرفة بن العبد في معلقته: إذا القومُ قالوا مَن فتى خِلْتُ أنني عُنيتُ فلمْ أكسل ولمْ أتبلدِ وهذا البيتُ الذي استشهد به الإمام حين سُئل عن أي بيت من الشعر يُفضِّل وعلَّق أستاذُه: "أنه سيكون لكَ شأنٌ عظيمٌ يا بُني". وكان للإمام رؤية واضحة لما يجب عليه فعله، كانت تلك الرؤية واضحة في موضوع الإنشاء الذي كتبه بمناسبة آخر العام الدراسي عام 1927م، أي قبل الشروع بإنشاء جماعة الإخوان المسلمين، وكان تحت عنوان: (اشرح آمالك بعد إتمام دراستك، وبيِّن الوسائل التي تعدها لتحقيقها؟)، وإليكم من هذا الموضوع: "وأعتقد أنَّ خير النفوس تلك النفوس الطيبة التي ترى سعادتها في سعادة الناس وإرشادهم، وتعد التضحية في سبيل الإصلاح العام ربحًا وغنيمة، والجهاد في الحق والهداية على توعرٍ طريقها راحة ولذة، وأعتقد أنَّ العمل الذي لا يعدو نفقة صاحبه قاصر ضئيل، وخير الأعمال وأجلها الذي يتمتع بنتائجه العامل وغيره، وأعتقد أنَّ أجلَّ غاية التي يرمي الإنسان إليها وأعظم ربح يربحه أنْ يحوز رضا الله". والذي يقصد هذه الغاية يعترض مفرق طريقين، إما التصوف الصادق أو طريق التعليم والإرشاد، واختار الإمام الثاني لتعدد وعظيم فضله، وأنه أوجب الطريق على المتعلم. وكان له أملان بعد إتمام الدراسة:
خاص: إسعاد أسرتي وقرابتي كما قال.
عام: أنْ أكون مرشدًا معلمًا إذا قضيتُ في تعليم الأبناءِ سحابةَ النهار ومعظم العامِ قضيتُ ليلي في تعليم الآباءِ هدفَ دينهم. ".. وأعددتُ لتحقيق الأول معرفةً بالجميل وتقديرًا للإحسان، ولتحقيق الثاني "الثبات والتضحية"، وهما ألزم للمصلح من ظله ومن الوسائل العلمية درسًا طويلاً وتعرفًا بالذين يعتنقون هذا المبدأ، ويعطفون على أهله، وجسمًا تعوَّد الخشونة على ضآلته، وألف المشقة على نحافته، ونفسًا بعثها لله صفقة رابحة وتجارة بمشيئة الله منجية راضيًا منه قبولها. ذلك عهد بيني وبين ربي أسجله على نفسي، وأشهد عليه أستاذي في وحدة لا يؤثر فيها إلا الضمير، ودليل لا يطلع عليه إلا اللطيف الخبير".. وهكذا كان الإمامُ يعرف ما يريد، وكيف السبيل إلى ما يريد. حقًّا لا أستطيع التعليق على مثل هذه المعاني الجياشة، وتلك النفس المعطاءة، وذاك الوضوح في الرؤية وإرادة حثيثة لإنجاز مشروعٍ ما لخدمة الناس والدين والوطن مبني على معاني الحب والإخاء والتضحية والثبات.. من هنا بدأ الإمام البداية، كان حلمًا كبيرًا يريد تحقيقه وليس عيبًا أن نحلم، فكما قال هو: "حقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد". بدأ في الإسماعيلية بخمسة فلم يعقه عائق، ولم يبعده مانع، أدرك أنَّ الموانع الخارجية رغم قوتها وعنادها أضعف بكثيرٍ من الإرداة الداخلية.. "إنَّ النجاح قوة داخلية إذا تمكَّنت من المرءِ لن يقف أمامها السدود المنيعة". فأخذ يصول ويجول يكلم هذا، ويقنع ذاك، وينظم هنا ويخطب هناك، يفكر ويحل المشاكل مستعينًا بالله مع إخوانه. أسس دعوته على الحبِ والإخاءِ، كما أسس الرسول- صلى الله عليه وسلم- مجتمع المدينة، فانطلقت الدعوة قوية متينة صافية نقية صفاء المنهل التي نهلت منه كتاب الله وسنة نبيه؛ فتمكَّن من قلوب الناسِ، وصححت مفاهيم وعلمتهم الإسلام بشموليته وكماله، وأنه منهج حياة ولا فلاح لنا بدونه. والشيءُ الأهمُ في دراستنا لشخصية الإمام البنا هو ما يجب أن تكون عليه اقتداءً بشخصيته:
(1) على كل منا أن يعيش لفكرة بداخله تُسيطر عليه يفكر فيها دائمًا تستحوذ عليه، وأن يحلم دائمًا بها "فأي حقيقة كانت حلمًا يومًا ما"، وعلينا أن نُعلي من سقف طموحنا، وأن نعيش أحلامنا في كل لحظة، وأن يكون كل منا بطلاً لحلم، وأنه يرى كل منَّا في نفسه شيئًا قادرًا على تحقيق هذا الحلم، وقهر المستحيل وعلينا أن نعلم أنَّ النجاح يبدأ من الداخل، وعلى كل منَّا تخيل صورة يريد أن يكونها ثم يعيش هذه الصورة كما لو كانت واقعًا، فلابد من أن يكون لدينا شيء نستيقظ من أجله كل صباح.
(2) وجود رؤية واضحة في حياة كل منا "غاية وأهداف ووسائل"، فعلى كل منَّا أن يعيشَ لهدفٍ واضحٍ يستحق التضحيةَ من أجله، وكان ذلك جليًا في رؤية الإمام لمستقبله من خلال موضوع الإنشاء.
(3) أن تمتلك إرادةً قويةً وإصرارًا على النجاح، وقهر كل المعوقات.
(4) أن يكون لدينا أرضية من الثقافة الإسلامية الأصيلة، والقراءة في شتَّى العلوم والفنون، والرجوع إلى أمهاتِ الكتب وحفظ القرآن والمتون، فكما قال أبو الإمام لابنه: "من حفظ المتنون نال الفنون". فقد حفظ الإمام القرآن في الكتاتيب وفي مدرسة الرشاد وغيرها، وحفظ كثيرًا من الأحاديثِ النبويةِ الشريفةِ وألفية ابن مالك وشرحها، واستكمل الكثيرَ من جوانب الثقافة الإسلامية في سنٍ مبكرة، وقرأ في شتَّى مجالات المعرفة، وتشكلت ثقافته من كلَِّ أصنافِ ميراثِ الحضارة الإسلامية والتاريخ، فكان ذلك مكونًا رئيسيًّا لشخصيته، وكوَّنت لديه الإرادة الجادة المبنية على أسسِ من الفهمِ الصحيح لهذا لدين، فعَلَى كل منَّا أن يُلزم نفسه بأوراد خاصة وإنجازاتٍ في أوقات محددة من حفظٍ للقرآنِ والحديثِ وقراءات يومية في شتَّى مجالات المعرفة بالإضافة إلى علوم التخصص لكل منا.
(5) على كل منَّا أن يكون منظمًا في حياته، منضبطًا في أوقاته، لا يدع المرء منا شيئًا للظروف، فبمجرد أن تتضح لنا صورةً ما نُريد تحقيقها يجب أن يكون التخطيط الدقيق الخطوة التالية على الطريق، وبهذا التخطيط يصبح لدينا حس هدفي بدونه لا تعرف ماذا تريد، وماذا تستطيع، واعلم أنَّ ساعةً من التخطيط تُوفِّر لك ثلاث ساعات من التنفيذ، ولنا أن نعلم أنَّ النظام والتخطيط الدقيق وضبط الوقت كان عنوان حياة الإمام حسن البنا.
(6) الإيجابية: وهي الأهم على الإطلاق إذْ قد يكون لدى الإنسان أفكار قوية وأحلام كبيرة، وإرادة لأن يفعل شيئًا، ولكن الأهم أن يبدأ ويتفاعل بفكرته مع الناس، ويخرجها من حيزها الضيق داخل النفس إلى مجالها الرحب في الحياة ومع الناس.

إنَّ الأمرَ بالمعروف والنهي عن المنكر المظر الإيجابي الرئيسي في الإسلام الدال على الإيجابية، والتعامل بين الناس؛ حيث إنَّ الإسلامَ خاتمُ الرسالات، والرسول صلى الله عليه وسلم خاتمُ الأنبياء، فكان لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أهميته المطلقة لاستمرار انتشار رسالة الله بين العباد، فَهِمَ الإمامُ ذلكَ منذ نعومةِ أظفارِهِ فكان رئيسًا لجمعية الأخلاق الحميدة المعنية بنشر المعروف والنهي عن المنكر، وذلك في الإعدادية داخل المدرسة وخارجها، وأنشأ جمعية منع المحرمات يبعث منها هو وأقرانه خطاباتٍ تحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحُسن أداء العبادة. وعن إيجابيته بعد إنشاء الجماعة حدِّث ولا حرج؛ أسفار لكل البلاد، خطب هنا وهناك، مؤتمرات ومخاطبات لأهل الحكم، حث على الجهاد، حرب فلسطين، إحياء للسنن، مواحهته للاستعمار... الخ حتى استشهاده رضوان الله عليه. وأخيرًا مع هذه الإيجابية والتفاعل والبداية الجادة لا بدَّ من المثابرة والمجهود والإصرار على النجاح مع اليقين والثقة بنصر الله تعالى. وهكذا نكون قد عشنا مع معاني عظيمة مستفادة من شخصة الإمام حسن البنا، مستقاة من أفكاره وأرادته الصلبة وإخلاصه وإيجابيته وفعاليته، فكان القدوة وعلينا الاتباع رحمة الله عليه ورحمه رحمةً واسعةً، وتقبله ربِّي من الشهداء المخلصين

21 أكتوبر 2009

كيف تأسرقلوب الناس

- ابتسم، فالابتسامة مفعولها سحري وفيها استمالة للقلوب.
- أظهر الاهتمام والتقدير للطرف الآخر وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
- للناس أفراح وأتراح فشاركهم في النفوس.
- ساعد الآخرين تصل إلى قلوبهم فالنفوس تميل إلى من يساعدها.
- عليك بالعفو عن الزلات وتغليب نفسية التسامح.
- في تفقد الغائب والسؤال عنه ضمان لكسب الود واستجاب القلوب.
- لا تبخل بالهدية ولوقلّ سعرها، فقيمتها معنوية أكثر من مادية.
- أظهر الحب وصرّح به فكلمات الود تأسر القلوب.
- تفنن في تقديم النصيحة ولا تجعلها فضيحة.
- حدث الآخرين بمجال اهتمامهم فالفرد يميل إلى من يحاوره في مدار اهتمامه
- إنتق كلماتك، ترتفع مكانتك فالكلمة الحسنه خير وسيلة لاستمالة القلوب
- امدح الآخرين إذا أحسنوا فالمدح أثره في النفس ولكن لاتبالغ.
- تواضع فالناس تنفر ممن يستعلي عليهم.
- تجنب تصيّد عيوب الآخرين وانشغل بإصلاح عيوبك.
- تعلم فن الإنصات فالناس تحب من يصغي إليهم.
- وسع دائرة معارفك واكسب كل يوم صديق.
- اسع لتنويع تخصصاتك واهتماماتك تتسع دائرة معارفك وصداقاتك.
- إذا قدمت معروفاً لشخص ما لا تنتظر منه مقابلا.
- كن إيجابياً متفائلاً.
-------------------------------
منقول من منتدى أنصار الدعوة والتغيير "صاحب قضية"

18 أكتوبر 2009

عفوا ... لا تستعجل الثمرة

كثيرا ما يهجم الاستعجال في الأعمال وتعجل رؤية ثمارها على المرء فيغلبه حبه لرؤية نتائج عمله على إتقانه لأعماله واختياره لأفضل السبل وأحسن الأدوات , والإنسان - بطبيعته - عندما يقوم بالعبادة يحب أن يظهر أثرها عليه فورًا في بركة ظاهرة أو في استجابة دعاء أو في غيره، وهذه هي طبيعة الإنسان دائمًا, يحب رؤية الثمرة, قال سبحانه: {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ} [الصف: 13].
وكذلك فإن طبيعة الإنسان العجلة والتعجل, فهو يريد أن يزرع اليوم ويحصد غدًا, قال سبحانه: {وَكَانَ الْإنْسَانُ عَجُولاً} [الإسراء: 11].
لكن الله سبحانه له سنن في كونه وفي خلقه وله حكم في غاية العظمة والإحكام ؛ فبعض الأمور يمكنك أن تزرعها اليوم وتحصد ثمارها غدًا, إلا أن هناك - وهو أكثرها - ما إن زرعته اليوم فلن يعطيك ثمارًا إلا بعد سنين طويلة, وعندئذ فمهما استعجلت فلا فائدة إلا أن يؤثر ذلك على قلبك فيمرضه.
لذلك فاستعجال المرء في أداء أعماله منه ما يحمد وهو ما كان قائما على تدبر للأمور والمواقف والظروف وتقرير الاختيار في أفضلها وأحسنها ووضوح الهدف بعد إمرارها على الحكمة ورأي الخبراء وهو عندئذ محمود كقوله تعالى لموسى " وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى " , وأما أكثر الاستعجال فهو مذموم غير محمود إذ إن غالبه يقوم على فورة النفس وعدم التدبر والتفكر في المآلات وتفنيد الخيارات والبحث في العواقب واستشارة العلماء والخبراء ..

وفي العبادات قد بين لنا الشرع الحنيف أن علينا الصبر والثبات على الصالح من الأعمال فقال سبحانه: " ياأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا " وقال: " واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا " وقال " واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم " وفي صحيح مسلم من رواية عائشة _رضي الله عنها_ أنه _صلى الله عليه وسلم_ كان إذا عمل عملا أثبته .
نشأة العجلة ..
وقد ينشأ الاستعجال عند الإنسان بدافع الخلقة " خلق الإنسان من عجل " وقد ينشأ من فورة الإيمان عند مبتدئ في الطريق في لحظة رأى فيها انتفاش الباطل أو غلبة المعصية والظلم ثم لم يتدبر في عواقب فعله واستعجل أمره فوقع في الخطأ وخالف الصواب واعتمد على رأيه في تقدير المواقف فزلت قدمه , يقول الشيخ الدكتور سيد نوح : " قال _صلى الله عليه وسلم_: [ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ]رواه مسلم والترمذي و أبوداود وابن ماجه والنسائي وأحمد. بيد أنه ليس كل منكر تجب إزالته أو تغييره على الفور، وإنما ذلك مشروط بألا يؤدي إلى منكر أكبر منه، فإن أدى إلى منكر أكبر منه؛ وجب التوقف بشأنه، مع الكراهية القلبية له، ومع مقاطعته، ومع البحث عن أنجع الوسائل لإزالته، والأخذ بها، ومع العزم الصادق على الوقوف في أول الصف حين تتاح فرصة التغيير.

وفي السنة والسيرة النبوية شواهد على ذلك:
فها هو رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ يبعث والأصنام تملأ جوف الكعبة، وتحيط بها وتعلوها من كل جانب، ثم لا يقبل على إزالتها بالفعل إلا يوم فتح مكة، في العام الثامن من الهجرة، أي أنها بقيت منذ بعث إلى يوم تحطيمها إحدى وعشرين سنة؛ ليقينه بأنه لو قام بتحطيمها من أول يوم، قبل أن تحطم من داخل النفوس لأقبلوا على تشييدها وزخرفتها بصورة أبشع، وأشنع، فيعظم الإثم، ويتفاقم الضرر، لذلك تركها، وأقبل يعد الرجال، ويزكي النفوس، ويطهر القلوب حتى إذا تم له ذلك أقبل بهم يفتح مكة، ويزيل الأصنام، مردداً: }وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا[81]{ [سورة الإسراء] وها هو _صلى الله عليه وسلم_ يخاطب أم المؤمنين عائشة قائلا: [ أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ لَمَّا بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ] فَقَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : [ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ]رواه البخاري ومسلم .

فالنبي _صلى الله عليه وسلم_ هنا توقف في شأن تجديد الكعبة، وإعادتها إلى قواعد إبراهيم خوفاً من أن يؤدي ذلك إلى منكر أكبر، وهو الفرقة والشقاق، بدليل قوله في رواية أخرى: [...وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ] رواه البخاري ومسلم. بل إن المسلم حين يسكت عن منكر؛ خوفاً من أن يؤدي إلى منكر أكبر- مع الرفض القلبي والمقاطعة، ومع البحث عن أفضل السبل للتغيير، ومع العزم الصادق على أنه حين تتاح الفرصة لن يكون هناك توان ولا تباطؤ- لا يكون آثمًا بذلك، وصدق الله الذي يقول: " لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" [286] {[سورة البقرة]، " فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ" [16]{[سورة التغابن]. فإذا نسي العامل أو الداعية فقه أسلوب تغيير المنكر وإزالته، وقع في الاستعجال لظنه، أو لتصوره أن الأمر يجب تنفيذه فوراً وأنه آثم ومذنب إن لم يقم بذلك "

بل قد يكون الظفر ببعض المقدمات، أو ببعض الوسائل هو السبب في الاستعجال. ولعل هذا هو السر في أمر الإسلام بالصبر على جور الأئمة، ما لم يصل الأمر إلى الكفر الصريح، والخروج السافر عن الإسلام، يقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: دَعَانَا النَّبِيُّ _صلى الله عليه وسلم_ فَبَايَعْنَاهُ فَقَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا أَنْ بَايَعَنَا: [ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا وَعُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَأَثَرَةً عَلَيْنَا وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَان]رواه البخاري ومسلم. بل حتى الكفر البواح لا يكون معه خروج إلا إذا أمنت الفتنة، وتوفرت القدرات، والإمكانات، وهذا لا يمنع من النصح وإنكار المنكر بقدر الاستطاعة بحيث لا يترتب عليه منكر أكبر منه , يقول الإمام النووي - رحمه الله - في شرح حديث عبادة: [ معنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحق حيثما كنتم، وأما الخروج عليهم، وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وان كانوا فسقة ظالمين'.

كما قد ينشأ الاستعجال عندما يتربى المرء بعيدا عن العلماء والحكماء وذوي التجربة الناجحة والعقل الراجح أو أن يسلم نفسه لمرب مبتدئ غير خبير ولا عليم فيدفعه دفعا لاستعجال الثمار ولهفة الحرث ورؤية النتيجة والإلحاح في طلبها ..
يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ..
* عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله  قال: (يستجاب لأحدكم ما لم يَعْجل, يقول: دعوت ربي فلم يستجب لي) متفق عليه.
* وفي رواية لمسلم: (لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم, ما لم يستعجل), قيل: يا رسول الله ما الاستعجال؟ قال: (يقول: قد دعوت وقد دعوت, فلم أر من يَسْتجب لي, فيستحسر عند ذلك, ويدع الدعاء) أخرجه مسلم
* وعن عبادة بن الصامت _رضي الله عنه_ أن رسول الله_صلى الله عليه وسلم_ قال: (ما على الأرض مسلمٌ يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها, أو صرف عنه من السوء مثلها, ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) فقال رجل من القوم: إذًا نُكثر, قال: (الله أكثر) أخرجه الترمذي وصححه الألباني.
قال ابن عثيمين رحمه الله تعليقًا على هذين الحديثين السابقين: "يعني أن الإنسان حري أن يستجيب الله دعاءه إلا إذا عجل, ومعنى العجلة فسرها النبي_صلى الله عليه وسلم_ بأن الإنسان يقول: دعوت ودعوت فلم أر من يستجيب لي, فعندئذ يستحسر ويدع الدعاء, وهذا من جهل الإنسان؛ لأن الله سبحانه وتعالى لا يمنعك ما دعوته به إلا لحكمة, أو لوجود مانع يمنع من إجابة الدعاء ولكن إذا دعوت الله فادع الله تعالى وأنت مُغَلب للرجاء على اليأس, حتى يحقق الله لك ما تريد, ثم إن أعطاك الله ما سألت فهو المطلوب, وإن لم يعطك ما سألت فإنه يرفع عنك من البلاء أكثر وأنت لا تدري, أو يدخر لك ذلك عنده يوم القيامة, فلا تيأس ولا تستحسر, ولكن ادع ما دام الدعاء عبادة, فلماذا لا تكثر منه, استجاب الله لك أو لم يستجب, ولا تستحسر ولا تسئ الظن بالله؛ فإن الله تعالى حكيم, قال: ولا يخيب من يسأل الله, بل لابد أن يحدث له واحد من أمور ثلاثة: أن يعطيه ما سأل أو يصرف عنه من السوء مثله, أو يدخر عنده أجره إلى يوم القيامة, إلا أن يدعو بإثم؛ لأن الدعاء بالإثم ظلم"
كثيرًا ما يحدث أن يستعجل الناس الثمرة وخصوصًا العاملين في العمل العام في الدعوة إلى الله أو التربية, يستعجل الثمرة وقد تتأخر الثمار فما العمل إذن؟ هل نتعامل مع هذا باليأس والقنوط وترك العمل أم نتعامل مع هذا بالعبر واليقين في وعد الله وأن نُحكم أعمالنا ونراجعها ونقف مع أنفسنا ونُقَوِّم أعمالنا وترتيباتنا مرة بعد مرة؟ يقول الله سبحانه: "وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ. وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"
[آل عمران: 146, 147]
إذن فها هنا أمور إذا ما تأخرت الثمار:
أ- عدم الوهن أو الضعف أو الاستكانة ولكن الاستمرار في الثقة بالله سبحانه.
ب - تطبيق معنى الصبر والثبات مهما حدث.
جـ - محاسبة الأنفس ومراجعة الأعمال وتطهيرها من الذنوب والخطايا.
د - طلب النصر والمعونة والقوة من الله سبحانه والاستعانة به.
هـ - تقويم الأعمال والوقوف على الخطأ فيها ومحاولة إصلاحه وتعديله.
إن الفارق بين الصادق وغير الصادق، أن الصادق هو الذي يستمر في العمل مهما كانت الظروف, أقبلت أو أدبرت, أمطرت أو حبست, فهو مستمر في العمل, أما غير الصادق, فهو المنكسر عند أول عائق, المتوقف إذا أبطأت عنه الثمار.
* عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: شكونا إلى رسول الله  وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة, فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد كان من قبلكم يُؤخذ الرجل فيُحفر له في الأرض فيُجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار, فيوضع على رأسه فيُجعل نصفين, ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه, ما يصده ذلك عن دينه, والله ليُتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه, ولكنكم تستعجلون) أخرجه البخاري ، قال ابن عثيمين _رحمه الله_ تعليقًا على هذا الحديث : "فليصبر المؤمن ولينتظر الفرج, ولا يمل, ولا يضجر, بل يبقى راسيًا كالصخرة, والعاقبة للمتقين, والله تعالى مع الصابرين, فإذا صبر وثابر وسلك الطريق توصل إلى المقصود, ولكن بدون فوضى وبدون استنفار وبدون إثارة, بطريق منظمة؛ لأن أعداء المسلمين من المنافقين والكفار يمشون على خطى ثابتة منظمة, ويحصلون مقصودهم, أما السَّطحيون الذين تأخذهم العواطف حتى يثوروا ويستنفروا, فإنهم يفوتهم شيء كثير وربما حصل منهم زلة تفسد كل ما بنوه - إن كانوا بنوا شيئًا -, لكن المؤمن يصبر ويتئد ويعمل, ويوطن نفسه ويخطط تخطيطًا منظمًا, يقضي به على أعداء الله من المنافقين والكفار ويفوت عليهم الفرص؛ لأنهم يتربصون الدوائر بأهل الخير, يريدون أن يثيروهم حتى إن حصل من بعضهم ما يحصل حينئذ استعلوا عليهم, وقالوا: هذا الذي نريد وحصل بذلك شر كبير، فأنت أيها الإنسان: لا تسكت عن الشر, ولكن اعمل بنظام وبتخطيط وبحسن تصرف وانتظر الفرج من الله, ولا تمل فالدرب طويل, لاسيما إذا كنت في أول الفتنة, فإن القائمين بها سوف يحاولون ما استطاعوا أن يصلوا إلى قمة ما يريدون, فاقطع عليهم السبيل, وكن أطول منهم نفسًا, وأشد منهم مكرًا, فإن هؤلاء الأعداء يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين"شرح رياض الصالحين

-----------------------------------

أ.خالد روشة

14 أكتوبر 2009

للمقبلين على الجامعة .. نصائح للطالب الداعية


يسعدني أن أهنئكم على التحاقكم بالجامعة، وأسأل الله سبحانه أن يرزقكم التوفيق والنجاح على كل من المستويين الدراسي والدعوي



1- أهم وأخطر ما يمكنك عمله -أخي الطالب وأنت على مشارف الجامعة هو أن تقدم القدوة الحسنة لزملائك كطالب مسلم: ملتزم في كل شئونه، حريص على وقته ومواعيده، حريص على محاضراته، حريص على مذاكرته، حريص على مظهره وحسن هندامه، يؤدي واجباته باقتدار، متفوق علميا، حسن الأخلاق مع معلميه وأقرانه وكل من حوله، يساعد من يحتاج المساعدة، متواضع في غير ذلة، معتز بنفسه في غير تكبر ولا غرور؛ هذا بالطبع إلى جانب التزامك بواجباتك الدينية ِيعطي الانطباع عند من يرونك أن هذا الخير الذي أنت فيه إنما هو بسبب تدينك والتزامك.

2- احرص على التعرف على أكبر عدد ممكن من زملائك، وكون علاقات طيبة معهم، عن طريق الابتسام الدائم في وجوههم، والإهداء إليهم، وتقديم العون لهم.. وإياك والتجهم في وجوههم، أو أن تكون فظا غليظ القلب فينفضوا من حولك.

3- تعاون مع إخوانك الدعاة الذين تتعرف عليهم من خلال الأسر الطلابية أو مسجد كليتك، فيما تتفقون عليه من أعمال دعوية، مع مراعاة التنسيق وحسن التنظيم حتى تؤتي أعمالكم ثمارها، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.

4- ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، وكن صبورا على من تدعوهم، وراعِ فيهم الشباب وطيشه ونزقه، ولا تشعرهم بأنك مختلف عنهم إنسانيا، بل اجعلهم يشعرون أنك إنسان مثلهم تشعر بما يشعرون وتحب ما يحبون وتكره ما يكرهون، ولكنك فقط تقدم طاعة الله عز وجل وإرضاءه على هوى نفسك وصبوات شبابك، التماسا لجنة عرضها السماوات والأرض، أقل ما فيها خير من الدنيا ما فيها.

5- يجب أن تراعي –أخي- الظروف المحيطة بك داخل الجامعة، وتتكيف معها، وتبحث عن الطرق المثلى للتعامل معها، دون أن يؤدي بك ذلك إلى الدخول في صراعات ومشكلات، وفي نفس الوقت لا يدفعك لتقديم تنازلات، وهذا يتطلب منك جهدا كبيرا، فاستعن بالله، واطلب منه التوفيق والسداد، وقدر لكل موقف قدره.

وأخيرا أهمس في أذنك:

إياك أن تنسى أنك طالب، وإياك أن تتحجج بالأعمال الدعوية وتبرر بها تقصيرك في مذاكرتك وتحصيلك، فإن مهمتك الأساسية في الجامعة أن تذاكر وتنجح وتتفوق في مجالك، وهذه أكبر خدمة تقدمها للدعوة.
فماذا تفعل الدعوة بالكسالى والراسبين والفاشلين؟
فاجتهد في التوفيق بين أعمالك الدعوية ودراستك ولا يشغلنك عمل عن عمل تكن من الفائزين إن شاء الله..

مسألة التوفيق بين الدعوة والدراسة

إن السؤال عن التوفيق بين الدعوة والدراسة يفتح الموضوع الأهم، ويطرح السؤال الشائك في العمل الدعوي وخاصة في الوسط الطلابي..

إن أهم ما يميز ديننا الإسلامي الحنيف: التوازن والاعتدال.
ومن ثم فإنه يجب على كل من ينتمي إلى هذا الدين العظيم أن يكون متوازنا ومتزنا في شأنه كله، ولأن كل واحد منا يمارس عددا من الأدوار، ويلبس عددا مختلفا من القبعات فإنه حري بنا أن نتخلق بهذا الخلق الإسلامي العظيم وهو "التوازن" فلا يطغى جانب على جانب.

فالطالب مثلا يقوم بعدة أدوار: فهو في الجامعة أو المدرسة طالب وعليه واجباته، وهو في البيت ابن وأخ وعليه واجباته التي يجب أن يؤديها تجاه والديه وإخوته، وهو في الحي عليه واجبات تجاه أصحابه وأصدقائه، وهو في الشارع عليه واجبات تجاه عامة الناس يجب عليه أن يقوم بها..

وهكذا يتبين لنا أننا نقوم بعدد من الأدوار تجاه الشرائح المختلفة من الناس الذين نعايشهم ونعاشرهم، وفي كل الحالات يجب ألا يطغى واجب على واجب، ويجب ألا ينسي حق حقا..

إن مشكلة "عدم القدرة على التوفيق بين العمل الدعوي وبين الدراسة"، هي إحدى آفات العمل الإسلامي في الحقل الجامعي، وهي بحق معضلة تبحث عن حل، غير أن الحل سهل يسير على من يسره الله عليه، فبصره بأصول دينه وأبجديات شريعته، وحتى تكون الأمور واضحة اسمح لي أن أدخل في الموضوع مباشرة، فأضع لك عددا من القواعد التي يجب أن تنتبه إليها أنت وإخوانك من الطلاب الذين يمارسون العمل الدعوي خلال الدراسة وهي:

1- الهدف:
فالهدف من وجودنا في هذه الحياة هو عبادة الله، وتحصيل رضاه، قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ والإنس إلا ليعبدون)، فالأصل في الحياة أن نحقق عبوديتنا لله عز وجل.

2- واجب الوقت:
ومع قناعتنا بأننا إنما خلقنا في هذا الكون لعبادة الله، فإننا على يقين بأن ديننا الذي يقدر العلم ويعرف مكانة العلماء (إِنَّما يخشى الله من عبادِهِ العلماء)، قد علمنا أن "لكل وقت واجب"، وواجب الوقت للطالب خلال العام الدراسي أن يفزع لطلب العلم وتحصيل الدرس، هذا مع يقينه بفرضية طلب العلم،قال تعالى: (وقل ربِّ زِدني عِلمًا)، وقال صلى الله عليه وسلم: (طلب العلم فريضة على كل مسلم).

3- التوازن:
وبين الهدف وواجب الوقت يجب أن نتحلى بخلق التوازن، فلا يجب أن ينسينا واجب الوقت الهدف الذي من أجله خلقنا، كما لا يجب أن نقصر في أداء واجب الوقت الذي علينا.

وفي ضوء هذه القواعد الثلاث فإنني أنصحك اخي الطالب وإخوانك بما يلي:
1- أوصيك ونفسي بتقوى الله، فإنها جماع كل خير، والتقوى باختصار هي فعل الواجبات وترك المحرمات.

2- كن خير داع إلى الله بِسَمْتِك الحسن وأخلاقك الكريمة، وحسن هيئتك، واجتهادك في مذاكرتك.

3- احرص على الانتفاع بوقتك ولا تضيع جزءا منه في غير فائدة، وإن كان لك مهمة عند زميل لك فأوجز في قضائها.

4- حافظ على حضور دروسك أو محاضرات ولا تتخلف عن واحدة منها إلا لعذر شديد، حتى تكون قدوة لزملائك في الجامعة، واعلم أنك لن تكون داعية حتى تكون قدوة، إذ ليس من المنطق ألا يراك زملاؤك معهم في المحاضرة ثم يستمعون لدعوتك، فكن زميلا لهم قبل أن تكون داعية لهم.

5- اعلم أن نجاحك وتفوقك في الجامعة هو الطريق الصحيح والأسرع إلى قلوب زملائك، وأن رسوبك أو تأخرك –لا قدر الله– سيباعد بين دعوتك وبين زملائك، فهم لن يطيب لهم أن يقتدوا براسب أو متخلف عن دروسه.

6- اعلم أن الداعية قد يمثل إضافة لدينه ودعوته بنجاحه وتفوقه وقد يسيء لهما بإهماله وتضييعه للحقوق وعدم اتزانه، فاحرص على صورة دينك ودعوتك وكن إضافة حسنة لهما.

7- إن انتهيت من أداء واجباتك ودروسك، فارغب إلى ربك بمداومة الذكر والاستغفار والدعاء.

وختاما..
أتمنى لكم كل التوفيق في دراستكم ودعوتكم، وأن يرزقكم الله الفهم العالي والتوازن والاتزان.

------------------------
منقول

2 أكتوبر 2009

إلى الطلبة والطالبات.. في عامهم الجديد

رسالة من: محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا، وبعد..

أنتم صناع النهضة والتميُّز
لقد كتب الله ألا تنتصر الدعوات ولا تنتشر الأفكار، إلا على سواعد الشباب، وتشهد بذلك سيرةُ النبي صلى الله عليه وسلم.. يخبرنا ابْنُ عَبَّاسٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يَوْمَ بَدْرٍ "مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا وَأَتَى مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا"، فَتَسَارَعَ إِلَيْهِ الشُّبَّانُ، وَثَبَتَ الشيُوخُ عِنْدَ الرَّايَاتِ. (رواه النسائي).

فالشباب اليوم هم أمل أمتنا، وهم الروح التي تُحييها، وهم السواعد التي تبنيها.

والطلاب خاصةً هم صنَّاع التفوق والتميُّز، وأدوات التغيير المنشود، وأسباب النهضة المأمولة، ولذلك جعل الله قلوب الشباب وعاءً للعلم، وجعل العلم مستقرًّا في قلوب الشباب، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "ما آتى الله عز وجل عبدًا علمًا إلا شابًّا، والخيرُ كلُّه في الشباب"، ثم تلا قوله عز وجل: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ (الأنبياء: 60)، وقوله تعالى: ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: 12).

فالأمة في حاجة إلى كل نجاح دراسي على أيديكم، وإلى كل رحلة علم من إبداعكم، وإلى كل تميز وتفوق في اجتهادكم، ومَن أجدر منكم يا طلاب وفيكم الطاقة المقرونة بنور العلم لتغيير مستقبل أوطاننا، وتوجيه العالم نحو طريق الحق والعدل والمساواة.. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: من الآية 13).

أوجب واجبات الطلاب
وقد طرحت عليكم من قبل عدة أسئلة، واليوم أطرحها ثانيةً، طالبًا من كل شاب وفتاة أن يرسم بإجاباته صورةً واقعيةً لواجباته؛ ليبدأ بعد الوقوف عليها في التحوُّل إلى النهوض واسترداد الحقوق:
* أين شباب العالم الإسلامي اليوم على خارطة التأثير في العالم؟!
* كيف يرى شباب العالم الإسلامي مكانته على خارطة وطنه؟!
* هل ثقافة شباب العالم الإسلامي اليوم ينبوعها هويته الإسلامية أم أنها صادرة عن معين آخر؟!
* ما حجم أمل شباب عالمنا الإسلامي في غده؟!

أليس بإجاباتكم يا طلاب قد أدركتم بُعْدَ واقعنا اليوم عمَّا نأمل أن تكون عليه أمتنا الساعية للتحرر من قيود الاحتلال والاستبداد والفساد والتبعية، وقد نبَّه الإمام الشهيد البنا كلَّ شاب إلى ذلك، فقال: "وحينئذٍ يكون من أوجب الواجبات على هذا الشاب أن ينصرف إلى أمته أكثر مما ينصرف إلى نفسه"، وهذا ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم من بطولات الشباب حوله؛ فقال: "بُعثت فخذلني الشيوخ، ونصرني الشباب".

واليوم قد حان وقت النصرة لدينكم، دون خوف أو تردُّد، فاستمسكوا بحقوقكم، مهما كان الترهيب عنيفًا، واصدعوا بالحق رغم هذه الأساليب القمعية، وتقدَّموا بأفكاركم غير وجِلين من هذه الأنطمة الديكتاتورية، فإنها إلى زوال، ولن يدوم إلا الحق.

نحو خطواتنا العملية
ومن أوجب واجبات الطلاب في الانصراف إلى الأمة، هذه الخطوات العملية، التي قدمها- ويقدمها- الإخوان المسلمون، فكرةً وعملاً وتحقيقًا.. فهيَّا من الآن؛ من أجل أن يتحقق حلم الإمام البنا وهو يخاطب الطلاب في مؤتمرهم قائلاً: "ندَع ميدان الكلام إلى ميدان العمل، وميدان وضع الخطط والمناهج إلى ميدان التنفيذ والتحقيق، فالشرق يطالبنا في إلحاح بالأعمال الجدية المنتجة، والدنيا كلها تأخذ بأسباب القوة والاستعداد.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا لِمَ تَقُوْلُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُوْلُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3).

* هيَّا إلى فهم الإسلام الذي هو رسالة إنقاذ للأرض وأهلها، والذي يحمل في طياته السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والقانون، فإن كان غير ذلك فما هو إذن؟ وقد أجاب الإمام البنا أمام الطلبة قائلاً: "أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟ أم هذه الألفاظ؟ ألهذا نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصلاً؟! ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمْيَن﴾ (النحل: من الآية 89).

* هيَّا إلى الإصلاح والتمسك به مهما كانت العقبات؛ فهو حكم الله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة: من الآية 50)، وقد أرشدنا إلى ذلك قدوتنا صلى الله عليه وسلم، حينما قال: "الدين النصيحة"، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، وبذلك فمحال أن نسير لغاية غير غاية الإسلام، أو نعمل لفكرة غير فكرة الإسلام الحنيف.. ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ (البقرة: 138).

* هيَّا إلى الجهر بدعوة الإسلام، لتكون هي الصوت العالي، فهذه هي طبيعتها التي بعث الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم، فهل نحيد عنها؟ أم لا بد أن تمتزج بأعصابنا ودمائنا وأرواحنا وعقولنا، فنكون كالجيل الأول الذي حمل هذه الأمانة وصدع بها.. رهبانًا بالليل فرسانًا بالنهار.. أخلاَّء المسجد، وأنضاء العبادة، وحفظة الكتاب الكريم، وأبناء العلم، وجنود الدعوة، وصنَّاع الحضارة التي ساحت في آفاق الأرض، تحرِّر الشعوب، وتعلِّم الناس، وتغرس الفضائل، فكونوا رسل سلام في مدارسكم وجامعاتكم حتى تكون هذه المعاني حيَّةً في نفوس زملائكم وأساتذتكم وأهليكم.

* فأنتم يا شباب من يحافظ على استقلال الأمة وحريتها، ويُعيد مجدها وكرامتها، ويسترد عزتها وسؤددها، لتحتلَّ مكانتها السامية بين الأمم، ومنزلتها الرفيعة بين شعوب الأرض، ولتخليصها من الاحتلال البغيض في فلسطين، الذي ينتهك مقدسات الأمة، ويسعى اليوم لتهويد القدس وهدم مسجدنا الأقصى، أو الاحتلال المهين في العراق وأفغانستان، أو القهر المشين في كشمير وتركستان، أو الضعف العام في سائر بلدان الأمة، والمتمثل اليوم في قتل المسلمين بعضهم بعضًا، واعتقال الأحرار والشرفاء، وتقييد الحريات، وتزوير الانتخابات، والاستئثار بالحكم بلا عقل وبلا ضمير.

وليس الطريق إلى تحقيق ذلك إلا باستعداد العدة، واستكمال الإعداد.. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، وبذلك تستفتحون عهدًا جديدًا نحو بناء أمتنا، وهذا يستلزم تعاونَ الجهود، وتوافرَ القوى، والانتفاعَ بكل المواهب، والعملَ الجادَّ في كل النواحي، فلا تصرفوا جهدًا إلا لتحقيق هدفكم.. لإنقاذ شعوبنا اليوم، وقد باتت تمتلك الحيوية، وأصبحت على استعداد لتقديم ما تملك من نشاط، ولكنها في حاجة إلى من يوجِّهها.

* وبذلك تمهِّدون السبيل للانتقال من الضعف والفقر والجهل والرذيلة، التي يكرِّسها الذين لا يريدون صلاحًا أو إصلاحًا، ويفسدون في الأرض، فلا تعيروهم اهتمامًا؛ فأنتم تصنعون النهضة، وواجهوهم بالحكمة، والحكمة تقتضي عدم التوقف أو التقهقر أو الارتداد؛ فإن منعوكم من التعبير عن رأيكم بالمظاهرات فعبِّروا عنها في الفضائيات أو عن طريق الإنترنت، أو الرسائل بأنواعها المختلفة، أو الصدْع بها في أقاربنا وأصدقائنا ومراكز المجتمع ونواديه، أو مخاطبة أهل العقل والفكر والثقافة، فدعوتنا لا تعرف هدمًا أو تخريبًا أو تزويرًا أو تكسيرًا، بل سلمًا وأمانًا وبناءً وإصلاحًا.

* وكونوا جبهةً طلابيةً واحدةً، فهي الكفيلة باستعادة الحقوق، واحذَروا التفرُّق والتشرذم، فالعدو المتربِّص بكم ينتظر تمزيقَ الجهود، وتشتيتَ الأعمال، واختلافَ الآراء، وتصارعَ الشئون، وتقطيعَ الصلات، وتنابزَ الوجهات، فالمستقبل يلحُّ عليكم إلحاحًا صارخًا فيكم، بالعمل والسير بأسرع ما يمكن من خطوات، وعرض دعوة الإسلام، في إيمان عميق، وبرهان وثيق، واعتقاد جازم، وليكن شعاركم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: من الآية 24).

وأخيرًا..
اعلموا أن الله معكم ما دمتم قد علمتم واجباتكم، وأدركتم جلال دعوتكم، وأخلصتم دينكم لله تعالى؛ فأنتم قوةُ الأمة، وطاقتها الدافعة، وتقدُّمها العلمي، وعلامةُ وحدتها، وصلابةُ وطنيتها، وأملُ مستقبلها، وأمانُ حاضرها.

فانتظروا ساعة الفوز، وترقَّبوا وقت الانتصار.. ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (الروم: 4-5).
والله أكبر ولله الحمد
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين

-------------------------------

29 سبتمبر 2009

لا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا!

أيّها الإخوان... مرّة أخرى، بالشّكر تدوم النّعم!

لقد غمرنا الله عز وجل بفضله بأن أبقانا حتّى أدركنا شهر رمضان الكريم وأعاننا فصمنا ورزقنا فأفطرنا، ووفّقنا فقمنا له وذكرناه ودعوناه، ثمّ أتمّ علينا النّعمة أن أدركنا يوم العيد، يوم الجائزة !ومن شكر النّعمة العمل بها في طاعة المولى عز وجل: (...اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).

مرّة أخرى أرجوك أن لا تكمل القراءة حتّى تخرّ ساجدا لله عز وجل على كلّ ما أحاطك به من هذه النّعم التي لا تعدّ ولا تحصى.

هل فعلت؟ إذا كان جوابك نعم نكمل وإلاّ توقّف وعد مرّة أخرى للقراءة.

تكن كالتي نقضت غزلها من بعد قوّة أنكاثا!

لقد أكرمني الله عز وجل بنعمة الوصول وفتح أبواب الطّاعات ووفقنا إلى القيام بها، فلا تكن مكافأتنا لهذه النّعمة بالجحود وتضييع كلّ ما قمنا به سدى فنكون بذلك كالمرأة التي تتعب نفسها في حياكة ثوب جميل لها أو لأحد أفراد أسرتها، وقد تسهر اللّيالي الطّوال لإتمامه، وعندما تبلغ به إلى منتهاه ويصبح جاهزا، تمسك الخيط وتبدأ في نقضه فيصبح من جديد خيطا لا ينفع في شيء!

احذر هبوط القلب!

لقد حضّنا الحبيب صلى الله عليه وسلم على إتباع رمضان بصوم ست من شوال وبيّن لنا أن صومها مع صوم رمضان يساوي في الأجر صوم سنة وذلك لأنّ الحسنة بعشر أمثالها. فلو كانت هذه هي الحكمة الوحيدة، فلماذا خصّص شوال بالذّات؟ لماذا لم يأمرنا بصيام ستة أيام من أيّ شهر من شهور السّنة؟دعني أضرب مثلا يقرّب إلينا المعنى: يموت إنسان فيذهب به أهله إلى المستشفى فيخبرهم الطّبيب أنّ سبب الوفاة يرجع إلى هبوط حاد في القلب...

فما هو الهبوط الحاد في القلب؟

هو نزول سريع للضّغط من مستوى عال إلى مستوى منخفض، فالضّغط المنخفض لا يقتل، ولكنّ القلب لا يتحمّل التّغيّر المفاجئ في الضّغط فيتوقّف عن العمل ويموت.لذلك أوصاك المصطفى صلى الله عليه وسلم بصيام هذه الست لكي لا تصاب بالهبوط الحاد في الطّاعات فيموت قلبك بعد رمضان!فإذا فهمت هذا المعنى، فاحرص على أن لا تصاب بالهبوط الحاد في كلّ العبادات الأخرى: التّلاوة، القيام، الذّكر، الدّعاء،...
لا يغرنّك عملك!
بعد كلّ هذه الأعمال والقربات والطّاعات، لا تغامر بها في لحظة ترى لنفسك فيها فضل، فالفضل لله عز وجل وحده، ولا تظنّ أنّك قد وصلت ما لم يصله غيرك، فاسمع إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يخبرك عن من يظهر عملك بجوار عمله كمن يلعب بالعبادة!قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «موقف ساعة في سبيل الله خير من قيام ليلة القدر عند الحجر الأسود»
ولعلّ هذا ما دفع بابن المبارك –رحمه الله عز وجل - أن يكتب رسالته الشّهيرة إلى الفضيل بن عياض-رحمه الله عز وجل -: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنّك بالعبادة تلعبولعلّ هذه الرّسالة يرسلها إليك الآن إخوانك من غزّة بلسان حالهم قبل مقالهم.فلا تغتر! لا تغتر!...
احذر المسعور...!
إنّ الكلب إذا ربطه سيّده لمدّة طويلة أصبح شرسا، فإن هو أطلقه هاجم كل شيء يجده في طريقه، وكذلك إبليس -عليه لعنة الله عز وجل-، فلقد صفّد في بداية رمضان فلم يكن يخلص إلى ما كان يخلص إليه منك من قبل، ولكنّه اليوم قد أطلق سراحه فهو يهاجمك بكلّ ما أوتي من مكر ودهاء، يستفزّك بصوته ويجلب عليك بخيله ورجله ويحاول أن يشاركك في الأموال والأولاد: إنّها الحرب إذا! نعم إنّها الحرب قد أعلنها اللّعين...وغاية مناه أن يوقعك في الأيام الأولى من شوال في معصية كبيرة يطفئ بها نور قلبك بعد أن أشعّ في رمضان ويبعدك بها عن جوار مولاك جل جلاله بعد أن استشعرت قربه ومعيّته.ولكن لا تحزن فإنّ لك من الله عز وجل عليه ظهير، فقد وصف كيده بالضّعف: (...إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا)وأعطاك سلاحا فتّاكا لا يمكن للّعين أن ينفذ إليك إن كنت متترّسا به: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)
لا يصدقنّ فيك ظنّ اللّعين!
ماذا يظنّ بك إبليس –عليه لعنة الله عز وجل -؟يظنّ أنّك رمضاني ولست ربّانيا! تعبد الله جل جلاله في رمضان تبعا للغالب على النّاس، ثمّ تعود إلى التّراخي والمعاصي بعده.يظنّ أنّك: ستعود إلى الإدمان على التّلفزيون بعدما هجرته في رمضان، ستنسى قيام اللّيل وتهجره بعد أن رقّ به قلبك، ستهجر كتاب الله عز وجل بعد أن أنست به طيلة هذا الشّهر الفضيل، ستعود إلى الغيبة بعدما تطهّر منها لسانك، ستشتاق إليك صلاة الفجر بعد أن ألفتك،...(وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ)
فكن أخي رجلا وخيّب ظنّه! كن من الفريق الذّي استثناه الله عز وجل، فريق المؤمنين.
وصفة لذوي العزائم فقط!
أرجوك يا أخي؛ إذا لم تكن من أهل العزائم أن لا تقرأ هذه السّطور!
* صم ستة أيام من شوال من غير الاثنين والخميس والأيام البيض.
* صم الإثنين والخميس من كلّ أسبوع من شوال مع الأيام البيض فستجد نفسك صمت سبعة عشر يوما على الأقلّ.
* اختم ختمتين على الأقلّ في شهر شوال.
* قم اللّيل كلّما قمت للسّحور.
* التزم بالوظيفة الكبرى طيلة شهر شوال.
* خصّص يوميا وقتا للدّعاء وليكن طلب قبول الصّيام وسائر طاعات رمضان محوريا في كلّ دعائك.
* حافظ على وضوئك سائر .
الغاية التّقوى...فهل تحقّقت؟
سبق وأن تحدّثنا عن الغاية من الصّوم ولا بأس من التّذكير بها مرّة أخرى.فلمّا فرضّ المولى عز وجل الصّيام على هذه الأمّة، بيّن المغزى والهدف منه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)وقلنا أنّ الإمام علي –كرّم الله عز وجل وجهه – عرّفها بقوله: «التّقوى هي الخوف من الجليل والعمل بالتّنزيل، والرّضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرّحيل.»وقلنا أيضا أنّ ابن مسعود رضي الله عنه عرّفها بقوله: «أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.»وفصّل فيها ابن القيّم –رحمه الله عز وجل - فقال: «التّقوى ثلاث مراتب: أوّلها حَمِيَّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرّمات، والثّانية: حَمِيَّتها عن المكروهات، والثّالثة الحَمِيَّة عن الفضول وما لا يعني، فالأولى تعطي العبد حياته، والثّانيّة تفيد صحّته وقوّته، والثّالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته»
فهل تحقّقت فيك هذه المراتب وتلك الصّفات؟
* هل أصبحت أكثر خوفا من الجليل جل جلاله؟ فلم تعد تقدم على ما كنت تقدم عليه قبل رمضان من المعاصي بل من الشّبهات والمكروهات؟
* هل أصبحت تجيب ربّك عز وجل قبل أن يناديك إلى الصّلاة خوفا من أن يغضبك منك؟
* هل أصبحت تتحرى أوامر الله عز وجل في كتابه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم وتسارع للتّطبيق؟
هل أصبح إقبالك على الدّنيا أقلّ ممّا كان عليه قبل رمضان؟ هل أصبحت ترضى منها بالقليل الذي يرضاه المسافر في سفره حتّى يدرك أهله ووطنه؟
* هل أصبحت تفكّر أكثر من قبل في الموت وتكثر من الأعمال الصّالحة استعدادا له؟
* هل كتبت وصيتك؟ إن لم تفعل فمازال استعدادك للرّحيل دون المستوى المطلوب...أرجوك...أرجوك...أرجوك، أن تبرح مكانك حتّى تأخذ قلما وورقة وتبدأ بكتابة وصيتك، اكتب فيها كلّ ما للنّاس عليك من أمانات وديون ولا تحقر منها شيئا ولو كان سنتيما واحدا أو إبرة خياطة فقد حرم صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من دخول الجنّة حتّى أدّيت عنه!إن كانت معظم إجاباتك بنعم فأبشر فقد تحقّق مراد الصّوم منك، وحافظ على النّعمة بشكرها.
بقلم زيّان أبو تقوى
---------------------------------

27 سبتمبر 2009

الوفاء بعد رمضان


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد..
ها قد انتهى رمضان، ضيف حلَّ، ثم ارتحل، ربح فيه مَن ربح، وخسر فيه مَن خسر؛ لكن بقي على كل واحدٍ منا أن يقف الآن وقفةَ محاسبة ومساءلة.. هل استفاد من شهر رمضان أم لم يستفد؟

فالله عز وجل قد فرض علينا الصيام فصمنا، وسنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم القيام فقمنا، لكن أينتهي الأمر بالمسلم إلى هذا الحد؟ صيام، وقيام، وزكاة، وضروب من الطاعات، ثم ينتهي رمضان، فينتهي الأمر، ونعود كما كنا قبل رمضان؟!!، فعندما يأتي رمضان نجد المساجد قد امتلأت عن آخرها، وينتهي رمضان ونُفاجأ أنَّ الذين كانوا يحافظون على الصلاة قبل رمضان هم كما هم، كأننا لم نخرج من رمضان بفائدة؟ كأننا لم نخرج من رمضان بثمرة؟ الوعاظ والمحدثون والخطباء طوال الشهر يقولون (لعلكم تتقون)؛ فهل حصَّلنا التقوى في أنفسنا؟ هل انتفعنا من صيامنا وقيامنا وتلاوتنا للقرآن في رمضان فغيَّر شهر رمضان من حياتنا؟

نحن نريد أن نقف الآن بعد رمضان لنعقد صفقةً مع خالقنا عز وجل صفقة أن نكون أوفياء، صفقة بعهود ثلاث من الوفاء، هذه الصفقة عقدها أناس قبلنا، وفُّوا لله فيها فنصرهم الله عز وجل بها، كان قوام هذه الصفقة: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ (التوبة).. وهذا ما نريده صفقة بعهود ثلاث من الوفاء حددت ملامحها هذه الآية.

1- وفاء مع الله:
كوفاء العبد الأسود مع ربِّه، والعجيب في الأمر أن صاحب هذا الوفاء لا يُعرف له اسم إلى الآن، كل ما نعرفه عنه أوصاف؛ عبد أسود، غلام أسود، راعي غنم، رجل من الأعراب، هذا كل ما نعرفه عنه، ظهر واختفى في تاريخ الإسلام في ساعةٍ من نهار، كأنه ما جاء إلا ليعلمنا كيف نكون أوفياء مع ربنا عز وجل.

والحديث كما رواه الإمام النسائي (عن شداد بن الهاد رضي الله عنه: أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فآمن به واتبعه، ثم قال: أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزاة، غنم النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم، فلما جاء دفعوه إليه، فقال: ما هذا؟ قالوا: قسمٌ قسمه لك النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ما هذا؟ قال: "قسمته لك"، قال: ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمي إلى هاهنا- وأشار إلى حلقه- بسهم فأموت، فأدخل الجنة، فقال: "إن تصدق الله يصدقك"، فلبثوا قليلاً، ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- يُحمل قد أصابه سهم؛ حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"أهو هو؟"، قال: نعم، قال: "صدق الله فصدقه".

ثم كفَّنه النبي صلى الله عليه وسلم في جبته التي عليه، ثم قدمه فصلى عليه، وكان مما ظهر من صلاته: "اللهم هذا عبدك خرج مهاجرًا في سبيلك، فقتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك" (رواه النسائي). نعم وفاء مع الله عز وجل أن نكون بعد رمضان ربانيين لا موسميين كوفاء هذا العبد الأسود مع ربه.

2- وفاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم:
كوفاء سعد بن الربيع- رضي الله عنه- مع نبيه صلى الله عليه وسلم والحديث، كما يرويه كُتاب السير "ففي يوم أُحد ظهرت ملامح هذا الوفاء على أرض الواقع، فهذا سعد بن الربيع رضي الله عنه لما أشاع ابن قمئة- أقمأه الله- أنه قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بعد قتله لمصعب بن عمير رضي الله عنه، وكان مصعب رضي الله عنه أحد القلائل الذين يشبهون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما شاع الأمر بين المسلمين ألقى بعضهم السلاح وجلسوا ينتظرون الموت، كما قالوا فمر عليهم سعد بن الربيع- رضي الله عنه- فقال لهم: ما أجلسكم؟ فقالوا: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم: وما مات رسول الله؟ إن كان مات رسول الله فقوموا وقاتلوا وموتوا على ما مات عليه رسول الله، لا مدينةَ لكم بعد اليوم، ثم انطلق إلى المعركة فاعترض طريقه سعد بن معاذ- رضي الله عنه-، فقال: إلى أين يا ابن الربيع؟ فقال: واهًا يا سعد والله إنها الجنة ورب الربيع.

فلما وضعت الحرب أوزارها قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "من يأتيني بخبر سعد بن الربيع"، فبحثوا عنه فوجدوه في الرمق الأخير، فقالوا له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام، ويقول لك: كيف أنت؟ فقال: أبلغوا رسول الله مني السلام وقولوا له: إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جازى نبيًّا عن أمته، ثم التفت إلى أصحابه، وقال لهم: أبلغوا مَن خلفكم من أهل المدينة أنه لا عذر لكم عند ربكم إن خلص إلى رسول الله أذًى وفيكم رمق.

وهذا النداء والله لكل واحد منا الآن.. لا عذر لكم عند ربكم إن لم توفوا مع نبيكم، إن خلص إلى رسول الله أذى وفيكم رمق، وفاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد رمضان؛ أن نكون أوفياء مع رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

3- وفاء مع دين الله:
كوفاء أبي عقيل الأنيفي- رضي الله عنه-، والحديث كما يرويه الإمام ابن سعد في الطبقات الكبرى "أخبرنا جعفر بن عبد الله بن أسلم الهمداني قال: لما كان يوم اليمامة، واصطفَّ الناس للقتال كان أول الناس جرح أبو عقيل الأنيفي- رضي الله عنه-، رمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده فشطب في غير مقتل، فأخرج السهم ووهن له شقه الأيسر لما كان فيه، وهذا أول النهار، وجر إلى الرحل فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم وأبو عقيل- رضي الله عنه- واهن من جرحه سمع معن بن عدي- رضي الله عنه- يصيح بالأنصار: الله الله.. والكرة على عدوكم، وأعنق معن- رضي الله عنه- يقدم القوم؛ وذلك حين صاحت الأنصار: أخلصونا أخلصونا، فأخلصوا رجلاً رجلاً يُميزون.

قال عبد الله بن عمر- رضي الله عنه-: فنهض أبو عقيل- رضي الله عنه- قومه فقلت: ما تريد يا أبا عقيل؟ ما فيك قتال، قال: قد نوه المنادي باسمي، قال ابن عمر- رضي الله عنه-: فقلت: إنما يقول يا للأنصار لا يعني الجرحى، قال أبو عقيل- رضي الله عنه-: أنا رجل من الأنصار، وأنا أجيبه ولو حبوًا.

قال ابن عمر- رضي الله عنه-: فتحزم أبو عقيل- رضي الله عنه- وأخذ السيف بيده اليمنى مجردًا، ثم جعل ينادي: يا للأنصار كرة كيوم حنين- ويوم حنين كما نعلم هُزم المسلمون فيه في أول الأمر لما أعجبتهم كثرتهم، فلم تغنِ عنهم شيئًا، ووقف النبي صلى الله عليه وسلم يومها، ونادى نداءين اثنين لم يفصل بينهما بفاصلٍ نظر إلى يمينه وهو يقول: "يا للأنصار يا أصحاب بيعة العقبة"، ثم نظر إلى يساره وهو يقول: "يا للأنصار يا أصحاب بيعة العقبة" فاجتمع الأنصار على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتصر بهم- الرجل لم ينسَ يوم حُنين فخرج زاحفًا، وهو ينادي يا للأنصار كرة كيوم حنين- فاجتمعوا رحمهم الله جميعًا يقدمون المسلمين دربةً دون عدوهم؛ حتى أقحموا عدوهم الحديقة، فاختلطوا، واختلفت السيوف بيننا وبينهم.

قال ابن عمر- رضي الله عنه-: فنظرت إلى أبي عقيل- رضي الله عنه- وقد قطعت يده المجروحة من المنكب فوقعت الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحًا، كلها قد خلصت إلى مقتل وقتل عدو الله مسيلمة، قال ابن عمر- رضي الله عنه-: فوقعت على أبي عقيل- رضي الله عنه- وهو صريع بآخر رمق فقلت: أبا عقيل، فقال: لبيك، بلسان ملتاث، لمن الدبرة؟ قال: قلت أبشر، ورفعت صوتي، قد قُتل عدو الله، فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله، ومات يرحمه الله.

قال ابن عمر- رضي الله عنه-: فأخبرت عمر- رضي الله عنه- بعد أن قدمت خبره كله فقال: رحمه الله ما زال يسأل الشهادة ويطلبها، وإن كان ما علمت من خيار أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم، وقديم إسلام.

هذا هو ما نريد أن نخرج به بعد رمضان أن نكون أوفياء مع ربنا عز وجل كوفاء العبد الأسود مع ربه، أوفياء مع نبينا صلى الله عليه وسلم؛ كوفاء سعد بن الربيع- رضي الله عنه- مع نبيه صلى الله عليه وسلم، أوفياء مع ديننا كوفاء أبي عقيل الأنيفي- رضي الله عنه- مع دينه.

هذه عقود وفاء ثلاث نريد أن نخرج بها من رمضان، وهو ما نوهت عليه آية الصفقة ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ﴾، وفاء مع الله، ﴿وَرَسُولِهِ﴾ وفاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ وفاء مع دين الله ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

إن استطعنا أن نخرج بها نكون قد انتفعنا من صيامنا وقيامنا وتلاوتنا للقرآن وعبادتنا في رمضان.

أحبتي في الله..
أولئك آبائي فجئني بمثلهم** إذا جمعتنا يا جرير المجامع
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم** إن التشبه بالكرام فلاح


أسأل الله العلي العظيم أن يجعلني وإياكم من المقبولين في رمضان، وأن يرزقني وإياكم الوفاء بعد رمضان، وأن يعيده علينا جميعًا أعوامًا عديدةً وأزمنةً مديدةً، وأن نكون فيه من الفائزين.. تقبَّل الله منا ومنكم، وكل عام أنتم بخير.
-------------
* من علماء الأزهر الشريف

14 سبتمبر 2009

شدّوا مآزركم

"أيّها الإخوان... شدّوا مآزركم، فقد حلّت فرصة العمر!"
الحمد لله الذي امتنّ على هذه الأمّة بنعمة رمضان، لم يعطها لأمّة قبلها. جعل فيه ليلة، عبادتها أفضل من عبادة ألف شهر. تنزل فيها الملائكة تصلي على المؤمنين وتدعو لهم بكل خير. وصلِّ اللّهمّ وسلّم خير البشر، من أكرم غاية الإكرام هذا الشّهر، وعلى آله وصحبه من كانوا بين النّاس كالدّرر.
.
أيّها الإخوان... من كان في نعمة ولم يشكر خرج منها ولم يشعر!لقد امتنّ الله عز وجل عليكم وعليّ بأن أبقانا حتّى أدركنا شهر رمضان الكريم وصمنا ما كتب لنا، وقد قبض غيركم على مرمى أيام منه (تذّكروا أخاكم عبد الرّشيد مقراني من أم البواقي الذي قبضه الله عز وجل على بعد أيام قلائل من رمضان وقد كان عزم على الحج هذا العام، نسأل الله عز وجل أن يكتبها له وأن يجعله من سكان الفردوس الأعلى)، ولعلّ بعضنا يقلّل من مقدار هذه النّعمة!
.
فاسمع رحمني الله سبحانه وتعالى وأيّاك إلى الصّحابي الجليل طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه وهو يروي لك هذه القصّة العجيبة:
فعن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أنّ رجلين من بَلِيّ (حي من قضاعة) قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إسلامهما جميعا، فكان أحدهما أشدّ اجتهادا من الآخر، فغزا المجتهد منهما فاستشهد، ثمّ مكث الآخر سنة، ثمّ توفي، قال طلحة: فرأيت في المنام بينما أنا عند باب الجنّة إذا أنا بهما، فخرج خارج من الجنّة فأذِن للذي توفّي الآخر منهما، ثمّ خرج فأذن للذي استشهد، ثمّ رجع إليّ فقال: ارجع فإنّك لم يأن لك بعد، فأصبح طلحة يحدّث به النّاس فعجبوا لذلك، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدذثوه به، فقال: « أليس قد مكث هذا بعده سنة؟» قالوا: بلى قال: «وأدرك رمضان فصام وصلّى كذا وكذا من سجدة في السّنة؟» قالوا: بلى. قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فما بينهما أبعد ممّا بين السّماء والأرض..
.
هل عرفت الآن مقدار ما أنت فيه من النّعمة؟!
أناشدك بالله جل جلاله أن لا تقرأ بعد هذا السّطر كلمة واحدة حتّى تخرّ ساجدا على الأرض شكرا لله عز وجل.
.
قبل الانطلاق...
.
لقد تحدّثنا في الجزء السّابق من موضوعنا عن الجائزة العظمى لسباق رمضان، جائزة العتق الأبديّ من نار تلظّى. ولعلّ بعضكم قد نال هذا الشّرف، فهنيئا له (ونسأل الله عز وجل أن يهب المذنبين المغلولين منّا لمن أعتق)، ومنكم من ينتظر وما بدّل تبديلا!
واتّفقنا على ثلاث وسائل لانطلاقة قويّة، فهل تذكرها؟
توبة نصوح فاتحة لمغاليق القلب،
عفو كريم يجلب عفوا أكرم،
إصلاح ذات بين يصلح لك رمضان ويرفع عنك الحظر،
فهل انت مستعدّ فعلا؟! هل قمت بكلّ هذه المستلزمات؟!إذا كان الجواب بالنّفي، بالله عليك لا تكمل حتّى تفعل...
.
السّلسلة العجيبة ذات المفاتيح التسعة!
.
وأنا أبحث في وسط الكنوز وجدت لك سلسلة عجيبة، بها تسعة مفاتيح كلّ منها يصلح لغلق أبواب جهنّم وفتح أبواب الجنان.
وأعجب ما في هذه المفاتيح أنّها خفيفة الحمل وأنّك كلما استعملتها معا كان الفتح أسهل وأسرع وكان الغلق أقوى وأحكم.لن أشوّقك أكثر،
فإليك السّلسلة العجيبة ذات المفاتيح التّسعة:
أول مفاتيحها وأقواها التّوحيد، ثمّ مفتاح العفو، ثم مفتاح تكبيرة الإحرام، ثمّ مفتاح الصّوم، ثمّ مفتاح ليلة القدر، ثمّ مفتاح التّواضع والتّذلّل، ثمّ مفتاح البكاء من خشية الله عز وجل، ثمّ مفتاح الذّب عن عرض أخيك وأخيرا مفتاح دعاء خاص.
.
 مفتاح التّوحيد:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يوافي عبد يوم القيامة يقول: لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله إلا حرَّم الله عليه النار »نعم إذا نطقت بها مرّة واحدة وأنت موقن بها أعتقتك من النّار!فقل: "لآ إله إلاّ الله" وأنت تعتقد أنّه لا معبود بحقّ سواه، وأنّ لامقصود لحاجة إلاّه، وأنّ لاحبّ يعلو حبّه في القلب، وأنّ لا خوف ينسي خوفه، لارازق ولا معطي ولا مانع ولا ضار ولا نافع غيره،...ولا أفضل من رمضان لحضور هذه المعاني في القلب.
فإن أحسست في قلبك رقّة وقربا من مولاك فأعلنها فورا لعلّ هذه الحالة لن تعود!
.
 مفتاح العفو:
سبق وأن تحدّثنا عنه في الاستعداد ولابأس من التّذكير به مرّة أخرى.فالجزاء من جنس العمل: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) عن أنس رضي الله عنه قال: «بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه ضحك حتى بدت ثناياه.فقال عمر: ما أضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي؟قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة عز وجل، فقال أحدهما: يا رب خذ لي مظلمتي من أخي.قال الله عز وجل: أعط أخاك مظلمته.فيقول: يا رب لم يبق من حسناتي شيء.قال: يا رب فليحمل عني من أوزاري.ففاضت عين النبي صلى الله عليه وسلم بالبكاء، ثم قال: إن ذلك ليوم عظيم، يوم يحتاج الناس فيه إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم.فيقول الله عز وجل للمطالب: ارفع رأسك فانظر الى الجنان.فرفع رأسه فقال: يا رب أرى مدائن من فضة، وقصوراً من ذهب مكللة باللؤلؤ، لأي نبي هذا؟ لأي صديق هذا؟ لأي شهيد هذا؟قال الله: هذا لمن أعطاني الثمن. قال: أنت تملكه.قال: بماذا يا رب؟قال: بعفوك عن أخيك.قال: يا رب قد عفوت عنه.قال الله عز وجل: خذ بيد أخيك فادخل الجنة.ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك: فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، فإن الله عز وجل يصلح بين المؤمنين يوم القيامة».
.
 مفتاح تكبيرة الإحرام:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صلى لله أربعين يوما في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النّار وبراءة من النّفاق»قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يلج النّار أحد صلَّى قبل طلوع الشّمس وقبل غروبها - يعني الفجر والعصر-.»يا أخي الحبيب، بالله عليك...ارفع مقاييسك!تسأل بعض الدّعاة: ما هو برنامجك في رمضان؟ فيجيبك: أصلي الصّلوات الخمس في المسجد!فإذا كنت في شهر الاجتهاد والتّشمير أقصى ما تدركه من الصّلاة أن تصلي الخمس في المسجد، فكيف يكون الحال بعد رمضان إذا؟!يا وريث النّبوّة...اطلب مرتبة الإحسان في كلّ عبادة تقوم بها!
.
 احضر إليه قبل أن يطلبك،
ولك أن تتصوّر أخي (ولله عز وجل المثل الأعلى)، ملكا أو رئيسا يعلن أنّه سينزل في زيارة إلى بعض ولاياته، فيجد بعضا من عماله في انتظار هذه الزّيارة قبل الإعلان عنها، وقد أعدّوا لها قبل أن يطلب منهم ذلك، وكلّهم شوق لاستقباله وخوف من عدم رضاه عنهم، وفريق آخر عندما علموا بالزّيارة ألقوا كلّ ما في أيديهم وهرعوا يحضّرون للزّيارة الميمونة, وصنف ثالث حتّى عندما وصلهم خبر الزّيارة بقوا مشتغلين ببعض شؤونهم ولم يبدؤوا التّحضير إلاّ في اللّحظات الأخيرة، على عجل ومن غير إتقان...! فمن أيّ الفرق الثّلاثة أنت؟
.
 كن من الفريق الأوّل:
فاذهب إلى المسجد قبل أن تسمع الآذان، واطلب الصّف الأوّل، بل اطلب المكان الأوّل عن يمين الإمام. وعندها أعدك أنّك ستحسّ وتشعر بمعنى: «أرحنا بها يا بلال»، وبمعنى: «ورجل معلّق قلبه بالمساجد»!
.
 مفتاح الصّوم:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الصوم جنّة يستجنّ بها العبد من النار.»وقد جعل الله عز وجل الصّوم بدل عتق الرّقبة في دية القتل الخطأ وكفّارة الظهار فإذا كان الصيّام بديلاً عن العتق، وإذا كان من أعتق رقبة أُعتق بها من النَّار، فلعل الإكثار من الصيام سبب لنفس الجزاء.ولعلّنا هنا نطرح سؤالا مهمّا: ما هو الصّوم الذي يكون جنّة من النّار؟ أهو الجوع والعطش أو كما سمّاه الغزالي –رحمه الله تعالى- في الإحياء صوم العموم؟ أم هو صوم الخصوص الذي وضع له قواعد لا يقوم بدونها: غض البصر، حفظ اللّسان، حفظ السّمع، حفظ بقية الجوارح، عدم الإكثار من الطّعام عند الإفطار وأن يتعلّق القلب عند الإفطار بين الخوف والرّجاء؟ أم هو صوم خصوص الخصوص الذي وصفة الغزاليّ كما يلي: « فصوم القلب عن الهمم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله عز وجل بالكلية, ويحصل الفطر في هذا الصوم بالفكر فيما سوى الله عز وجل واليوم الآخر وبالفكر في الدنيا إلا دنيا تراد للدين, فإن ذلك من زاد الآخرة وليس من الدنيا حتى قال أرباب القلوب: من تحركت همته بالتصرف في نهاره لتدبير ما يفطر عليه كتبت عليه خطيئة, فإن ذلك من قلة الوثوق بفضل الله عز وجل وقلة اليقين برزقه الموعود, وهذه رتبة الأنبياء والصديقين والمقربين ولا يطول النظر في تفصيلها قولا ولكن في تحقيقها عملا, فإنه إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل وانصراف عن غير الله سبحانه وتلبس بمعنى قوله عز وجل: (قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) الأنعام: 91»؟اطلب المرتبة العليا...تنل الوسطى على الأقلّ!
.
تعال نتفقّ على أمور تساعدنا جميعا على تناوش مرتبة خصوص الخصوص:
1. أقبل على القرآن أكثر من أيّ طاعة أخرى فقد كان الإمام مالك رضي الله عنه إذا أقبل رمضان طوى كتب الحديث –على عظيم شأنها- وتفرّغ للقرآن الكريم، وأكثر من الختمات بقدر ما يتّسع لذلك وقتك، وإن استطعت أن تختم كلّ يوم فافعل، فإن لم تستطع ففي ثلاثة أيام أو ستة...فقد قال ابن رجب الحنبلي - رحمه الله عز وجل -: « إنمّا ورد النّهي عن قراءة القرآن في أقلّ من ثلاث على المداومة على ذلك، فأمّا في الأوقات المفضّلة كشهر رمضان والأماكن المفضّلة كمكّة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحبّ الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناما لفضيلة الزّمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمّة»فاشتغالك بالقرآن لن يدع لك وقتا تنفقه في التّوافه.
2. استحضر النّية قبل أيّ عمل خصوصا الوظيفة وشؤون البيت.
3. لا تتوقّف عن الذّكر مادمت فارغا خصوصا الاستغفار.
4. إن استطعت أن تتفرّغ فافعل ولن تندم أبدا.
5. لا تسافر إلاّ للضّرورة القصوى.
6. طلّق التّلفاز بقية رمضان طلقة رجعية تنقضي مدّتها بعد السّتة من شوال، هذا إن كانت عصمته بيدك! أمّا إن كان غير ذلك فلك الله عز وجل...!اهجره مهما كان نوع البرنامج، فأنت في شهر عمل ولست في شهر تعلّم! وأرض المعركة لا تصلح للتّدريب.
7. لا جرائد ولا مجلاّت، فقد سبق وأخبرتك أنّ الإمام مالك كان يطوي كتب الحديث، وتقول لي ولكنّي أطالع أخبار العالم؟!
8. أغلق هاتفك النّقال كلما تفرّغت لعبادة (مأثورات، تلاوة، دعاء قبل الإفطار،..).
9. لا تذهب إلى السّوق إلاّ للضّرورة القصوى، فإن ذهبت فاحرص على أن تشتري كلّ ما يلزمك في بقيّة الأيام لكي لا ترجع مرّة أخرى واخرج منه بأسرع ما يمكن، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها ».
10. أكثر المكوث في المساجد على ألاّ يشغلك ذلك عن قضاء حوائج بيتك وأهلك.
11. قلّل المخالطة إلاّ للضّرورة.
12. اقتصد في الطّعام تنل عدّة فوائد: قوّة على القيام والطّاعات، تخيف على الأهل وإعطائهم فسحة من الوقت للمنافسة على الجائزة، عدم الحاجة إلى السّوق،...
.
 مفتاح ليلة القدر:
قدّم طلب العفو، فقد سألت أمّنا عائشة –رضي الله عنها- رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هي أدركت هذه اللّيلة المباركة ماذا تقول؟ فأجابها بأبي وأمي هو صلى الله عليه وسلم: «قولي: اللّهمّ إنّك عفوّ تحبّ العفو، فاعف عنّي.»
.
 مفتاح التّواضع والتّذلّل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان هينا لينا قريبًا حرمه الله على النار» قال المناوي: «ومن ثم كان المصطفى صلى الله عليه وسلم في غاية اللين, فكان إذا ذكر أصحابه الدّنيا ذكرها معهم, وإذا ذكروا الآخرة ذكرها معهم, وإذا ذكروا الطّعام ذكره معهم.» احذر أن ترى أنّ لنفسك شأنا أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم !عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: أتي النّبي صلى الله عليه وسلم برجل ترتعد فرائصه قال: فقال له: « هوّن عليك فإنّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء!» تواضع دقيقة يجفّف بحار الذّنوب وكبر دقيقة يحبط جبال الحسنات!جاء في الأثر أنّ عيسى بن مريم عليه السلام كان يسير مع أحد حواريّيه فمرّا بلصّ يقف على أكمة، فلما رآهما صاح: " رسول الله! وصاحب رسول الله! والله لأنزلنّ فلأسيرنّ معهما!" فلمّا كاد يدركهما قال في نفسه: " لص يمشي بجوار رسول الله؟ هذا لن يكون. لص يمشي بجوار صاحب رسول الله؟ هذا لن يكون. لأمشيّن خلفهما".وبينما اللّص يحدث نفسه كان الحواري أيضا يحدّث نفسه قاءلا: " لص يمشي بجواري وأنا صاحب رسول الله؟ هذا لن يكون. لأتقدّمنّ فلأسيرنّ بجوار عيسى عليه السلام.فنزل جبريل عليه السلام على سيّدنا عيسى عليه السلام يقول له: إنّ الله عز وجل يقول لك: قل لهما ليستأنفا عملهما فقد أحبطت سابقه.ولعّل من الأحوال المناسبة لاستشعار معنى التّذلّل والتّضرع، وقت الدّعاء ووقت التّوبة
.
 مفتاح البكاء من خشية الله عز وجل:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عينان لا تمسّهما النّار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله.»وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: « لا يلج النّار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللّبن في الضّرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في منخري مسلم أبدا.»وكان الحسن البصري-رحمه الله عز وجل- يقول: " ما اغرورقت عين بمائها من خشية الله إلا حرم الله جسدها على النّار، فإن فاضت على خدها لم يرهق ذلك الوجه قتر ولا ذلة، وليس من عمل إلا له وزن وثواب إلا الدمعة من خشية الله فإنها تطفئ ما شاء الله من حر النار ولو أن رجلاً بكى من خشية الله في أمة لرجوت أن يرحم الله ببكائه تلك الأمة بأسرها "ولما رأت أم ربيع بن خثيم ما يلقى من البكاء والسّهر، قالت له: يا بني!.. لعلّك قتلت قتيلاً؟.. قال: نعم يا أمّاه، قالت: ومن هو حتّى نطلب إلى أهله فيعفوا عنك، فوالله لو يعلمون ما أنت فيه لرحموك وعفوا عنك، فقال: يا أماه هي نفسي.ولعلّ العبادة التي يمكن أن تجمع مجموعة من الخصال السّابقة هي قيام اللّيل، فأثناء صلاة اللّيل يمكن أن تخشع بالقرآن، وأن تتضرّع وتتذلّل لمولاك جل جلاله، وأن تذرف دموعا حارّة على خديك، وأن تعلن توبتك، وأن توحّد ربّك عز وجل بما يليق بجلاله.
.
 مفتاح الذّب عن عرض الأخ:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ذبَّ عن عرض أخيه بالغيبة كان حقا على الله أن يعتقه من النّار.»ويوم تبوك تخلّف كعب بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعلّه أمر عظيم استحقّ أن يقاطع لأجله من طرف رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسين يوما كاملة. ولمّا سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما فعل كعب؟ ما فعل كعب؟...أجابه رجل من المسلمين: حبسه برداه، والنّظر في عطفيه!فردّ معاذ بن جبل رضي الله عنه ردّا قاسيا على الرّجل مدافعا عن كعب: بشس ما قلت! والله ما علمنا فيه إلاّ خيرا.فذبّ أخي عن أعراض إخوانك ممن هم معك في الصّف أو ممن بقوا في صفّ الأمس. ولا يجرمنّك شنآن المعتدين ان تعتدي.
.
 مفتاح الدّعاء الخاص:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يصبح أو حين يمسي: (اللّهمّ إنّي أصبحت أشهدك، وأشهد حملة عرشك، وملائكتك وجميع خلقك، أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت وأنّ محمدا عبدك ورسولك)، أعتق الله ربعه من النّار، فمن قالها مرّتين أعتق الله نصفه، فمن قالها ثلاثا أعتق الله ثلاثة أرباعه، فمن قالها أربعا أعتقه الله من النّار.»
.
في الأخير...القضية قضية قلوب
.
لمّا فرضّ المولى عز وجل الصّيام على هذه الأمّة، بيّن المغزى والهدف منه فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)فالهدف من الصوم إذا هو التّقوى!ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن في الحديث مكان التّقوى فقال: « لاَ تَحَاسَدوا، وَلاَتَنَاجَشوا، وَلاَ تَبَاغَضوا، وَلاَ تَدَابَروا، وَلاَ يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَكونوا عِبَادَ اللهِ إِخوَانَاً، المُسلِمُ أَخو المُسلم، لاَ يَظلِمهُ، وَلاَ يَخذُلُهُ، وَلا يكْذِبُهُ، وَلايَحْقِرُهُ، التَّقوَى هَاهُنَا - وَيُشيرُ إِلَى صَدرِهِ ثَلاَثَ مَراتٍ - بِحَسْبِ امرىء مِن الشَّرأَن يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسلِمَ، كُلُّ المُسِلمِ عَلَى المُسلِمِ حَرَام دَمُهُ وَمَالُه وَعِرضُه»فالصّوم غايته التّقوى، والتّقوى محلّها القلب، فالصوم إذا، عبادة القلب قبل أن تكون عبادة الجوارح، وهو صوم عن معاصي القلوب قبل أن يكون صوما عن المأكول والمشروب!والتّقوى كما عرّفها الإمام علي –كرّم الله عز وجل وجهه-: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتّنزيل، والرّضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرّحيل.وعرّفها ابن مسعود رضي الله عنه: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر.وفصّل فيها ابن القيّم –رحمه الله عز وجل- فقال: «التّقوى ثلاث مراتب: أوّلها حَمِيَّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرّمات، والثّانية: حَمِيَّتها عن المكروهات، والثّالثة الحَمِيَّة عن الفضول وما لا يعني، فالأولى تعطي العبد حياته، والثّانيّة تفيد صحّته وقوّته، والثّالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته»
فإذا تفرق عليك الأمر فاعمل على تحصيل هذه المراتب، والله عز وجل المستعان.
.
إلى موضوع آخر –إن مدّ الله عز وجل في العمر- أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
ولاتنسونا من صالح دعائكم.
.
أخوكم الفقير إلى عفو ربّه: زيّان أبو تقوى بلقبلي
----------------------------------

رمضان.. والعودة إلى القيم والأخلاق

رسالة من: محمد مهدي عاكف- المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين

رمضان مدرسة الأخلاق الحميدة
.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..فقد قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة: 183).

تحدِّد هذه الآيةُ الكريمةُ أن الغايةَ الأساسيةَ من الصوم هي إيقاظُ التقوى في القلوب، وغرسُ الأخلاق الكريمة في النفوس، وهي غايةٌ تتطلَّع إليها أرواحُ المؤمنين، والصومُ أداةٌ من أدواتها، وطريقٌ موصِّلٌ إليها؛ لأنه يرتقي بالجانب الروحيِّ والأخلاقيِّ للصائم، فيقوِّي إرادتَه ويحملُه على الانقياد لما يحبه الله ويرضاه، ويمنعُه من ممارسة شيءٍ من الأقوال أو الأفعال غيرِ اللائقة، ويحميه من الخضوع للشهوات ومتابعة النفس الأمَّارة بالسوء، ويمنعه من الرَّفَث والآثام والاعتداء على الآخرين، وفي الحديث: "وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصْخَبْ" (متفق عليه)، وفي الأثر: "إذا صمتَ فلْيَصُمْ سَمْعُك وبصرُك ولسانُك عن الكذب والمَحارم، ودَعْ أذى الخاصَّة، ولْيَكُنْ عليك وقارٌ وسكينةٌ يومَ صيامك، ولا تجعلْ يومَ فطرِك وصومِك سواء".

وإن اعتدَى أحدٌ على الصائم بقوله أو بفعله< فإنه يتدرَّب على التسامي وكظم الغيظ ونُبْل الخلق: "فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِم" (متفق عليه)، وفي الحديث: "أَعِفُّوا الصِّيَامَ؛ فَإِنَّ الصِّيَامَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَلا مِنَ الشَّرَابِ، وَلَكِنَّ الصِّيَامَ مِنَ الْمَعَاصِي، فَإِذَا صَامَ أَحَدُكُمْ فَجَهِلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ أَوْ شَتَمَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ" (الطيالسي).
.

الأخلاقُ الكريمةُ سرُّ نهضة الأمة
.

الأمة المسلمة الرائدة تجمع بين العبادة الروحية والإبداع المادي، وبين النجاح في الحياة الدنيا والنجاح في الحياة الأخرى، ويدرك العقلاءُ أن القانونَ وحدَه عاجزٌ كلَّ العجز عن تقديم الضمانات لسَيْر العمل وجودة الإنتاج وعدالة التوزيع، ومن هنا كان تحقيقُ التقوى والسمو الأخلاقي وتربية الضمير الحي غرضًا أساسيًّا لسائر التشريعات، بل غرضًا أساسيًّا من بعثته صلى الله عليه وسلم، فقد قال: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ" (أحمد وصحَّحه الحاكم على شرط مسلم)، وصدق أميرُ الشعراء حين قال: وإنما الأُمَمُ الأخْلاقُ ما بَقِيَتْ فإنْ هُمُوا ذَهَبَتْ أخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا وقد أراد الإسلامُ بهذه العبادةِ الكريمة في شهر رمضان من كل عام أن يتذكر المسلمون أنَّ تَمَسُّكَهم بهذه الأخلاقِ التي تصنع الحضارةَ وتُسْعِدُ الدنيا؛ هو سِرُّ القوة وأساسُ النهضة، ومنطلَقُ التغيير للأفضل.. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
.
ويدرك أعداءُ هذه الأمة أنَّ هذه التربيةَ المتوازنةَ تنتج جيلاً حرًّا كريمًا، لا يقبل الظلمَ، ولا يُقيم على الضَّيْم، ولا يستسلم للاستعمار، ولا يساوم على المقدَّسات، ولا يقبل التطويع، وبخاصةٍ بعد أن رأوا نماذجَ هذا الجيل طلائعَ التحرير في الأمة، ورأوا بأسَهم في مواجهة عدوِّهم، وآخر ذلك في حرب الفرقان في غزة هاشم، فرأوا شبابًا
.

إذا شهدوا الوغى كانوا كُمَاةً *** يَدُكُّون المعاقلَ والحصونا

وإنْ جَنَّ المساءُ فلا تراهم *** من الإشفاق إلا ساجدينا

شباب لم تحطِّمْه الليالي *** ولم يسلم إلى الخصم العرينا
.
لهذا كان حرص أعداء الإسلام على تحطيم ما بقي من مصادر القوة في شباب الأمة، فسعوا إلى إثارة الشهوات، ودعوا إلى إطلاق الغرائز من كل عقال ديني أو أخلاقي أو اجتماعي، وهم يبذلون جهدهم لدفع المجتمع المسلم إلى الانحطاط الأخلاقي ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمًا﴾ (النساء: 27). ولذلك فعلى الأمة أن تراجع موقعها وموقفها من التقوى؛ التي هي مقصود الصيام الأسمى.
.
كيف تحقق الأنظمة والشعوب التقوى؟!
.
إن من أهم مظاهر التقوى التي تحتاجها الأمة: الاعتصام بحبل الله، والاجتماع على الحق، وعدم التفرق فيه.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ* وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: 102، 103).
.
ويتم ذلك بالمصالحة بين الأنظمة والشعوب في أنحاء عالمنا العربي والإسلامي الذي ابتُلي بالاستبداد والقهر، وتحوَّل من موقع القائد إلى موقع التابع، وكثُرتْ الأيدي الخارجيةُ التي تؤجِّج نيرانَ الفتنة والعداوة داخل القطر الواحد، كما نرى ونلمس في السودان واليمن ولبنان وباكستان وأفغانستان والصومال، وغيرها من الجروح النازفة في جسد أمتنا الإسلامية.
.
إننا ندعو إلى مصالحةٍ عاجلةٍ بين الحكومات والشعوب تحقق الأمنَ وتحفظ من السقوط والانهيار، وتحمي الأمةَ من الانكشاف أمام أعدائها المتربِّصين، حتى تحقِّقَ معنى التقوى المقصودة من الصيام، وهذا يتطلَّب إقامةَ الحق والعدل والمساواة، ونشر الحريات؛ لأن الاستبداد يقضي على القدرات العقلية للأمة، ويفلُّ من إرادتها وعزمها، وفي ظله يتقلص معنى "الإيمان بالله" ليقتصر على المظهر الديني للعبادة، دون المظهر الاجتماعي الذي يسوِّي بين الجميع، ويتبدل سلَّم القيم في الأمة؛ لتصبح القوة فوق الفكر والعقل، وتصبح وظيفة المؤسسات في الدولة تنفيذَ إرادة السلطة المستبدة، بدلاً من القيام بواجباتها الأساسية في خدمة الأمة، وتتحدَّد مكانة الأفراد في الأمة ومسئولياتهم طبقًا لموقفهم من السلطة الاستبدادية، ويتغوَّل الأمن السياسي على حساب الأمن الاجتماعي، وبذلك تهتزُّ مكانة العدل في الأمة، ويشيع فيها الظلم، وتنتشر الجرائم الاجتماعية، وتفقد القيم الأخلاقية فاعليتها وتأثيرها، وتسود قيم النفاق التي تفترس المظلومين من أذكياء الأمة ومحروميها.
.
وبهذه الصورة يتحول المجتمع إلى أكوام بشرية لا علاقة بينها؛ إذ تشيع الأنانيات الفردية، وتتمزق شبكة العلاقات الاجتماعية، وتتحطَّم معنويات الأمة، ويضعف الانتماء للوطن، ومن هنا يتهدَّد الأمن القومي للأمة. شتان في مجال الدفاع والأمن القومي بين دولة أساس الحكم فيها السجن والتعذيب وتلفيق التهم للأبرياء، ومصادرة أموال الشرفاء، وبين دولة الشورى والحريات التي يقول حاكمها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لوُلاته: "أدِرُّوا على المسلمين حقوقَهم، ولاَ تَضْرِبُوهم فَتُذِلُّوهُمْ، وَلاَ تُجَمِّرُوهُمْ (أي لا تحبسوهم بغير حق) فَتَفْتِنُوهُمْ، ولا تُغْلِقُوا الأَبْوَابَ دونَهم، فَيَأْكُلَ قَوِيُّهم ضَعِيفََهم، ولا تَسْتَأْثِرُوا عليهم فتَظْلِمُوهُم، ولا تَجْهَلُوا عليهم" (الخراج لأبي يوسف).
.
وفي هذه الأجواء الروحانية المباركة في رمضان أُذَكِّر الجميعَ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ؛ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ، وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلاَءَكُمْ، وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا" (الترمذي). وقوله صلى الله عليه وسلم: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِم الحُلَمَاءَ، وَجَعَلَ أَمْوَالَهُمْ فِي أَيْدِي السُّمَحَاءِ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ بَلَاءً اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِم السُّفَهَاءَ، وَجَرَلَ أَمْوَالَهُمْ فِي أَيْدِي البُخَلَاءِ، ألاَ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فِي حَوَائِجِهِمْ رَفَقَ اللهُ بِهِ يَوْمَ حَاجَتِهِ، وَمَن احْتَجَبَ عَنْهُمْ دُونَ حَوَائِجِهِمْ احْتَجَبَ اللهُ عَنْهُ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ" (الخراج لأبي يوسف).
.
أفيمكن أن تخالف أمةُ الصيام والقرآن هذه المبادئَ الإنسانيةَ العاليةَ وهذه القيمَ الربانيةَ الرفيعةَ ثم يكون لها شأنٌ أو كيانٌ محترَمٌ، ويبقي اسمها في سجل الخلود؟! فهل ينتهز حكام العرب والمسلمين هذه الأيامَ المباركةَ للتصالح مع شعوبهم وكفكفة دموع المظلومين من أبناء أمتهم، وإقرار مبادئ العدالة والحريات والشورى في أوطانهم.
.
فلسطين في القلب في ظل أجواء رمضان المبارك، لا بد أن تظل الأمة على يقظة دائمة ووعي تام بالمؤامرات التي تحاك لقضية العرب والمسلمين الأولى، وهي قضية فلسطين والمسجد الأقصى، ولا بد أن تهبَّ الأمة لنجدة أهلنا في الضفة وقطاع غزة الصامد الصابر، الذي قدَّم شبابه، ولا يزالون يقدمون التضحيات الجسام، وقاموا- ولا يزالون- بدور أسطوري أصاب المشروع الصهيوني في مقتل، ولذلك كثرت دوائر المؤامرة على هذا الشعب المجاهد، وتسابق أعداؤه في حصاره والتضييق عليه ومحاولة تفجيره من الداخل؛ لعلهم ينالون بالحصار والتضييق والتآمر ما لم يحقِّقوه بالحرب والتدمير.
.
ولهذا فالأمة في امتحان مهمٍّ، وليس أمامها من خيار سوى أن تنجح في تثبيت هذه الإرادة القوية لأهلنا في غزة، ودعمهم بكل صنوف الدعم المادي والإعلامي والمعنوي، ودعوة الدنيا كلها إلى تفهُّم عدالة قضيتهم والوقوف إلى جانبهم في استرداد حقوقهم، وتقرير مصيرهم.وعلى الأمة ألا تنسى أحد عشر ألف بطل من أبطال في فلسطين المجاهدين، غيَّبهم الاحتلال الظالم الغاشم خلف الأسوار، وتحريرهم في رقبة الأمة، ويجب أن يأخذوا الأولوية القصوى في الاهتمام والعمل. والله أسأل أن يهدي الأمة والولاة، والرعية والرعاة، وأن يؤلف بين قلوبهم في الخيرات، وأن يكف شرَّ بعضهم عن بعض، وأن يكتب لأمتنا نصرًا عزيزًا، ويفتح لها فتحًا مبينًا، إنه على كل شيء قدير.
.
والله أكبر ولله الحمد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.. والحمد لله رب العالمين.
--------------------------------
إخوان أون لاين